الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

481

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

إذا اختلط الحلال بالحرام غلب الحرام وقولهم عليهم السلام كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه وقوله عليه السلام الشك بعد الانصراف لا يلتفت إليه وقولهم لا تنقض اليقين بالشك أبدا وإنما ينقضه بيقين وذلك أن الأنظار العقلية إذا كانت مادة الفكر فيها وصورته مأخوذين عن أهل العصمة فلا ريب في جواز العمل به لأنه معصوم عن الخطاء ولا شك أن مفاد الأخبار المذكورة هو التفريع على الأصول المأخوذة عن الأئمة عليهم السلام خاصة وهو عين مذهب الأخباريين وخلاف دعوى الأصوليين قلت من البين أن تفريع الأحكام على الأصول المأخوذة عن أهل العصمة إما أن يكون بإثبات تلك الأحكام للجزئيات الظاهرة الاندراج أو للجزئيات التي يتأمل في اندراجها تحت أي من تلك القواعد ويتوقف اندراجها في خصوص بعضها على البحث والنظر أو بإثبات اللوازم المتفرعة على الملزومات المأخوذة عنهم عليهم السلام وحينئذ فقد يكون اللزوم بينا وقد يفتقر إلى البيان فقد يكون المنهي له العقل أو النقل أو الملفق منهما أو ظاهر تلك الأخبار تعميم ذلك الجميع ومن البين حينئذ أنه لا يلائم طريقة الأخباريين وتخصيصها بالصورة الأولى خروج عما يقتضيه إطلاق تلك النصوص بل ربما يقال بعدم عد ذلك تفريعا فإن تلك الصّور الجزئية هو نفس ما ذكر في تلك القواعد الكلية لظهور أن المحكوم عليه في القضايا الكلية هو خصوص كل من الجزئيات فإثبات الحكم لكل منها من جهة الأخذ يعين النصوص لا التفريع على المنصوص ومع الغض عن ذلك فلا ينفك ما ذكر أيضا من استعمال الظن لظهور احتمال التخصيص في تلك العمومات فالقول بخصوص العصمة من الخطاء بمجرد الأخذ بظواهر تلك العمومات والإطلاقات كما ترى ومنها الأخبار الكثيرة الدالة على الرجوع إلى المرجحات الظنية عند تعارض الأخبار المأثورة ليتميز الصحيح منها عن السقيم والمقبول من المردود ومن البين أن ذلك من أعظم موارد الاجتهاد فإن تمييز المعول عليه من الأخبار من غيرها قد يشكل جدا وقد دلت الأخبار المذكورة على الرجوع في التميز إلى وجوه ظنية والمستفاد من جميعها بعد الجمع بينها هو الأخذ بالراجح من حيث المفاد والسند وما قد يتوهم من أن المرجحات المذكورة إنما هي لأجل تمييز الخبر الوارد من جهة التقية من غيرها وأن جميع أخبارنا المذكورة في الكتب المعتمدة قطعي الصدور من الأئمة عليهم السلام واضح الفساد حسبما مرت الإشارة إليه مضافا إلى أن في تلك الأخبار شهادة على خلافه إذ الرجوع إلى الأعدل وترجيحه على غيره لا ربط بالجهة المذكورة وكذا الحال في عدة من المرجحات المقررة كما لا يخفى على المتدبر ومنها ما دل من الأخبار على حجية قول الثقة والاعتماد على نقله إذ من البين أن الوثاقة لا يبلغ إلى درجة العصمة حتى يمتنع في شأنه الخطاء والغفلة كيف وقد وقع من أعاظم الثقات من السهو والاشتباه في أسناد الروايات ومتونها ما لا يخفى على المتتبع في الأخبار سيما كتابي التهذيب والإستبصار مضافا إلى ما عرفت من الاكتفاء في العدالة بحسن الظاهر ومن الظاهر أنه بمجرده لا يفيد العلم بحصول العدالة فلو سلمنا قضاء تلك الصفة بعدم وقوع الكذب والغفلة والزيادة والنقيصة من المتصف بها فكيف يعقل القول بقضاء الظن بها للعلم بذلك ومنها غير ذلك من الأخبار المتكثرة الدالة على حجية أخبار الآحاد حسبما فصل في محله فالملخص من ملاحظة مجموع الأخبار المذكورة القطع بحجية الظن في إثبات نفس الأحكام الشرعية وكون كل واحد من تلك الروايات ظنيا لا يقدح في المقصود بعد كون القدر الجامع بينها قطعيا على أنهم يدعون قطعية الأخبار فكل واحد منها حجة قاطعة بالنسبة إليهم هذا وقد زعمت الأخبارية عدم جواز الاجتهاد في نفس الأحكام الشرعية وحكموا بخطرها في الشريعة لشبهة واهية وشكوك ركيكة واضحة الفساد غير صالحة للاعتماد عند من له مسكة لا بأس بالإشارة إلى جملة منها أنه لا دليل على جواز العمل بالظن فلا وجه للرجوع إليه والتعويل في استنباط الأحكام عليه وفيه أنه لا كلام في عدم جواز الاستناد إلى الظن من غير قيام دليل عليه وما ادعى من انتفاء الدلالة في المقام فهو بين الفساد كيف ولو لم يكن هناك دليل على حجية سوى انسداد سبيل العلم وانحصار الطريق في الظن مع القطع ببقاء التكليف لكفي في القطع بحجيته مع أن هناك أدلة خارجية على حجية عدة من الطرق الظنية كما قرر في محله وقد اعترف الأخباريون بحجية قول الثقة وجواز الاعتماد عليه في الأحكام الشرعية كما دلت عليه عدة من النصوص مع أنه لا يفيد غالبا ما يزيد على الظن ودعوى إفادة قول الثقة القطع بالواقع كما صدر من جماعة منهم مما يشهد ضرورة الوجدان بخلافه مع ثبوت وثاقته بطريق اليقين فكيف مع ثبوتها بحسن الظاهر ومنها أن العمل بالظن مما يستقل العقل بقبحه فيستحيل تجويز الشرع له ووهنه ظاهر فإنه إن تم ذلك فإنما يتم بالنسبة إلى الاعتماد على الظن من حيث إنه ظن وأما مع أوله إلى العلم وانتهائه إلى اليقين فكلا وكيف يتوهم ذلك ولا عمل حينئذ إلا بالعلم ومن البين أن المسائل الفقهية إنما يراد لأصل العمل ومن الظاهر أيضا أنه بعد قيام الدليل القاطع على وجوب العمل بمؤدى الأدلة الظنية يكون العمل حاصلا على وجه اليقين دون الظن والتخمين كيف ولولا ذلك لم يجز بناء الشرع على الأخذ بالظن أصلا لعدم جواز الاستثناء في القواعد العقلية مع أن جواز العمل بالظن في كثير من المقامات كالحكم بالشهادات والاعتماد على أخبار ذي اليد ونحوهما مما لا كلام في وروده في الشرع بل وكذا الحال بالنسبة إلى دلالة الألفاظ لقيام الإجماع على جواز الاعتماد فيها على الظنون وكذا الحال في جواز الاعتماد على قول الثقة كما دلت عليه روايات عديدة ومنها ما ذكر بعض المحدثين من أن المتقدمين من علمائنا لا يقولون بجواز الاجتهاد والتقليد ولا يجزون العمل بغير الكتاب والسنة من وجوه الاستنباط الظنية ومن المعلوم أن طريقة المتقدمين هي الموافقة للأئمة ولأحاديثهم المتواترة فإن شذ منهم شاذ عيانا أنكر عليه الأئمة إن كان في ظهورهم وفي هذه الطريقة مباينة لطريقة العامة متباينة كلية وطريقة المتأخرين موافقة لهم لا تخالفهم إلا نادرا وناهيك بذلك دليلا على تحقيق الحق من الطريقتين ثم قال وبالجملة فقدم جواز الاجتهاد في نفس الأحكام الشرعية وعدم جواز العمل بالاستنباطات الظنية كان معلوما من مذهب المتقدمين من الإمامية إلى زمان العلامة بل كان معلوما عند العامة والخاصة أنه من اعتقادات الشيعة وقد نقلوه عن أئمتهم لتواتر النص بذلك عنهم وهذا كما ترى يفيد دعوى إجماع الشيعة الكاشف عن قول الأئمة على بطلان الاجتهاد